الشيخ حسن المصطفوي

102

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

الثالث - إظهار بالأركان وتشكَّر بالعمل ، وهو صرف النعمة في سبيل الطاعة ، وعلى ما يوافق رضاه ، ويقتضيه الخضوع والعبوديّة ، ويدلّ على التقدير والتجليل . ولا يخفى أنّ الشكر مرجعه إلى تجليل النفس والتقدير والتعظيم لنفس الشاكر ، فانّ النعمة واردة في خصوص الشاكر ولتنعّمه ، فإذا استفاد منها وصرفها في موردها المناسب بها : فقد أخذ منها حظَّه الوافر ، وانتفع منها في طريق تكميل نفسه وترضية ربّه وتكثير نعمته ورزقه . * ( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِه ِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) * - 27 / 40 . * ( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّه ِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِه ِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ ا للهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) * - 31 / 12 . فانّ منتهى مراتب الخضوع والعبوديّة هو كمال الإنسان . وأمّا حقيقة الشاكريّة من صفات اللَّه عزّ وجلّ : فانّ حقيقة الشكر كما قلنا ، عبارة عن إيقاع النعمة وإجرائها في موردها الَّذي لوحظ صرفها فيه ، فيكون صرفها وجريانها الخارجيّ على وفق صدورها ، منطبقا على الغرض والمقصود من صدورها . ولمّا كان العمل الخالص للَّه من العبد ، صادرا في جهة اللَّه تعالى وفي جهة تحصيل رضاه وإطاعة أمره ، ولتعظيمه وتجليله وتكبيره : في نظر العبد وفي ظاهر الأمر : فيتصوّر في الظاهر وعلى اعتقاد العبد ، أنّ هذا العمل قد صدر من العبد بنظر الخدمة للَّه تعالى ، فكأنّه هديّة اليه معطى من العبد ، وقد عمل عمله للَّه وبنيّة اللَّه ، فهو تعالى يشكر له طبق نيّته . أو أنّ العمل إذا صدر في جهته تعالى ، تقرّبا اليه أو حبّا له أو خدمة إلى عبيده أو إطاعة لأمره أو لغرض آخر ينتهي إليه : فيكون ذلك العمل محتسبا له وفي وجهه وعلى سبيله ، فاللَّه تعالى يتقبّله ويشكر له ، فهو الشاكر . فاللَّه تعالى شاكر للعبد إذا عمل عملا ينوي فيه وجه اللَّه بأيّ نحو كان ، ويتقبّل منه ذلك العمل ، ويحسبه واقعا على ما نوى : * ( وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ا للهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ) * - 2 / 158 . * ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَه ُ فِيها حُسْناً إِنَّ ا للهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) * - 42 / 23 .